محمد ملص وكفة التوازن السينمائية

خاص سينما فنون

 

تشاهد ما سُرّب من أفلام محمد ملص عبر الانترنت، فتحضر أمام ذاكرتك صورة ذاك الرجل الذي تصادفه بكامل ألقه في مقهى الروضة في دمشق، بصوته الضعيف، وهدوءه، وقدرته على السرد المتواصل لأية حادثة يصورها لك بكلماته الهادئة كما يفعل في مشاهد أفلامه السينمائية، بينما تصل إليك أخبار تكريمه دولياً أو اختياره حكماً في مهرجانات عالمية وعربية للسينما سنوياً تقريباً إن لم يكن عدة مراتٍ في العام الواحد.

آخر ما أنتجه محمد ملص ببصمة عينه السينمائية كان فيلم “سلّم إلى دمشق ” الفيلم الذي كان آخر إعلان واضح للجفاء بينه وبين المؤسسة العامة للسينما في سوريا، لتحدث القطيعة الشاملة بين المخرج الكبير ووسائل الإعلام كافة، في سلّم إلى دمشق اختار محمد ملص مجموعةً من الشباب الحالمين،ليكونوا قادة الحدث في فيلمه كما يريدهم هو في الحياة فكان هذا الفيلم موقفاً سياسياً، إلى جانب الشباب عنوان الحراك في الحياة، حيث يعبر في بداية فيلمه على لسان شاب يحلم أن يكون مخرجاً، ومصاب بالإحباط في بلاده فيقول على لسانه: ( نحنا عايشين ببلد بدو منا كلشي، وما بدو يعطيك شي.. لهيك بهرب من العالم ع السينما ) ربما أراد فعلاً الهروب من عالم الواقع المحبط دائما إلى سينما يخلق فيها عالمه بالشكل الذي يريد، مع أن ملص نفسه في أفلامه السابقة كان مرتبطاً بتاريخ البلاد بشكل واضح مهتماً بأن يؤرشف أحداث فيلمه على خلفية حدث تاريخي/ سياسي حصراً لنشأة سوريا الحديثة، ففي فيلمه أحلام المدينة رسم حالة من الذكريات لمدينة دمشق، في فترة الانقلابات السياسية في سوريا، تم تكريس أيمن زيدان في هذا بطلاً شاباً وقتها بعدسة المخرج ملص، أما في فيلمه ” الليل ” الذي حمل رمزية “الليل” في المرحلة  المظلمة التي شكلت التاريخ لاحقاً، ولم يتبعها انبلاج الصباح ، فظل هذا الليل مكونً لشخصية المخرج ابن القنيطرة حيث ولادته، وحيث هبوط الليل والحلم ، جمع بين الذاكرة والحلم والسرد لحكاية وكأنه يكتب مشاهد مختلفة في هذا الفيلم.

في فيلم “باب المقام ” لمس حلب بروحه، من باب الأغنية، واقتحم حياة الغناء وصراع الأغنية للبقاء لمدينة تمكنت منها الحياة الدينية، فخنقت كل صوت يمكن أن يصدح فيها، وتحديداً إذا ما كان صوت امرأة، هذا الفيلم يستند إلى حكاية حقيقية كان قد عرفها المخرج محمد ملص فأعاد تصورها وفق رؤيته وأهدى الفيلم إلى روح الضحية، ضحية الفن والجمال.. واستند إلى ممثلين حلبيين في أداء الشخصيات ليكونوا مندمجين كلياً مع ما يريده حيث يقدم محمد ملص البيئة، ويتقن لعبة ترك البيئة بصمتها على وجه الحكاية وسلوك الشخصيات،ينتهي الفيلم بفجائعية حيث يظهر المراهق المصاب بمرض المنغولية (متلازمة  داون ) وهو المستمع الوحيد لإيمان وهي تشدو أغانيها وهويصرخ “قوصوا الغنيّة “..

ربما يحتل الليل ومترادفاته اهتماماً في شخصية محمد ملص، ففي عناوين أفلامه نجد ” الليل، أحلام المدينة، المنام، حتى في الفيلم الذي تشاركه مع أسامة محمد وعمر أميرلاي، نور وظلال.. ” نجده يرتكز على لعبة الظلمة والنور ليقول رؤيته، وتوقه إلى الضوء..

Lascia un commento

Il tuo indirizzo email non sarà pubblicato.