صلاح دهني : السينما حالة شغف تحتاج إلى الحب أولاً

أيام زمان خاص
أحبّ السينما، فكانت شغفه وقضيته، استملكت واقعه وأحلامه، عاش بها ولها، أعطاها وبقي مخلصاً لها إلى ما بعد رحيله
هو صلاح دهني (1925-2017) الأديب والناقد والمخرج السينمائي، وأحد أهم المؤسسين للسينما السورية، ينتمي لذلك الجيل المثقف المجتهد ؛ الجيل الذي اعتنق قضاياه وعانق أحلامه، فأعطى إلى أقصى حدود العطاء، صابراً متحملاً مواجهاً، تسلح بالرغبة و الاجتهاد، فَكان لهُ ما أراد، وأسس للفن السابع في سوريا صناعة وثقافة، نَعِم به من عاصره وبقي لنا فنّاً ساحراً
رحل صلاح دهني يوم 27/10/2017 عن عمر 92 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً سينمائياً وثقافياً كبيراً، وفي الذكرى الأولى لرحيله، من واجبنا وحقه علينا أن نحيي ذكره الطيب، ونمضي إلى من عاصره لننهل منهم كلمات في ذكرى الراحل
يقول الأديب الكاتب والصحفي حسن م يوسف عن الراحل : صلاح دهني تجاوز احتراف السينما إلى عشقها، وكرس عمره كاملاً لخدمة فن السينما الجميل فكان مخرجاً رهيفاً وصاحب موقف وراء الكاميرا، معني بالدفاع عن حق شعبنا العربي الفلسطيني في أرضه كما في فيلمه الروائي الطويل «الأبطال يولدون مرتين»، كما كرس الكثير من وقته لكتابة النقد السينمائي الموضوعي الذي يساعد المشاهد على اكتشاف جماليات الأفلام والوصول لرسائلها الخبيئة ولم يترك وسيلة لم يستخدمها لإيصال مقالاته العميقة المضيئة، فقد نشر مئات المقالات النقدية في الصحف والمجلات وظهر في العديد من اللقاءات التلفزيونية كما قدم فكره النقدي البناء عبر العديد من البرامج التلفزيونية والإذاعية. إن فقدان رجل السينما صلاح دهني خسارة كبيرة كبرى لكل محبي السينما والفن الجاد في سوريا وما يعزينا هو أن مدرسته النقدية الرصينة لم تمت معه فهي حاضرة ومستمرة من خلال كتابات عدد من النقاد الشباب الجادين لعل أبرزهم الناقد الرصين ماهر منصور
أما مدير التصوير السينمائي حنا ورد يستحضر ذكرى الراحل، ويعتب على مهنية القائمين على الوزارة، إذ لم يلقَ الراحل ما يستحقه من تقدير، ويقول في ذلك : ثقافة الوفاء و العطاء؛ ثقافة مفقودة في مجتمعنا السوري، بكل الأصعدة إن كانت فنية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية … بعد عودة المخرج صلاح دهني من فرنسا، بدأ نشاطه لنشر الثقافة السينمائية، والبدء بصناعة سينمائية، والنهاية التي انتهى بها للأسف الشديد وهو معتم عليه من الجانب المهني والرسمي
يستذكر السيد حنا طفولته كَمستمع لبرنامج الراحل الإذاعي قائلاً : بعد عودة الراحل من فرنسا، عمل في الإذاعة، أذكره وأنا طفل، كنت أستمع له في بعض البرامج الإذاعية عن السينما، وكنت حينها في بداية المرحلة الإعدادية، هذا يدل على جهد هذا الإنسان لنشر وتأسيس صناعة سينمائية … في فترة الوحدة تمَّ تأسيس دائرة للسينما بوجود المحامي نجاة قصاب حسن وكان الراحل رئيساً لتلك الدائرة، وهو من اكتشف مدير التصوير جورج خوري واستقدمه من استديو للتصوير الفوتوغرافي إلى وزارة الثقافة/دائرة السينما
يتابع السيد حنا حديثه قائلاً : العمل البطولي للراحل، أنّه في فترة انقلاب عسكري ومجلس قيادة الثورة العسكري؛ يذهب شخص مدني (صلاح دهني) ولا يخرج من المجلس إلا وقد ضمن مرسوماً لتأسيس المؤسسة العامة للسينما، هذا العمل لوحده يستأهل تكريم الراحل للأبد، يستأهل تكريمه من الأشخاص الرسميين الذين حاربوه، أولئك الأشخاص الذين بسببه أصبحوا مدراء للمؤسسة العامة للسينما وأكثر من مدراء، ولكن كما قلت، ثقافة الوفاء معدومة في مجتمعنا السوري، ومجتمعنا السينمائي
ولدى سؤال السيد حنا عن أن للراحل فيلم روائي طويل وحيد، رغم أنّه من الأكادميين والمؤسسين للمؤسسة، يقول : لا أعتقد أنّه المسؤول عن ذلك، أعتقد أن السبب عدم وجود نظام إداري بالدولة السورية، على عكس الكثير من الدول المحترمة، وأعتقد أن الراحل كان يليق بِه أن يكون إدارياً سينمائيأ بالإضافة لكونه مخرجاً و ناقدأ، لأنّه امتلك محبة للفنانين، ومحبة لإعطاء الفرص للآخرين، وهذا ما يفتقده الغالبية القصوى من الإداريين الذين استلموا المؤسسات الثقافية، كان الراحل صادقاً بما يطرحه من مشاريع، وصادقاً بما يتكلم بِه، ليس بالضرورة أن يكون كل إنسان أكاديمي عظيماً ومبدعاً في عمله و يصنع أفلاماً جيدة، ليس شرطاً أبداً، كل إنسان بعد تخرجه له اتجاه في حياته، تصنعها الظروف أو إمكانياته الشخصية، لكن لو وضعنا الراحل في الميزان، سنجد كفة حسناته أثقل بأضعاف المرات من كفة ما لم يستطع تحقيقه، نحن لسنا موضوعيين، وبالحديث عن الموضوعية، تظهر عدم الموضوعية في التصرفات التي صدرت من إدارة المؤسسة العامة للسينما مع الراحل بعد تقاعده لاحقاً، صار مبعداً كما عدة سينمائيين آخرين، ولكنه بشكل خاص، لأنه كان يكتب آراءه الصريحة، وهنا أقول أن أكثر ما يزعجني قيام أحد كتاب السيناريو السينمائي (حاصل على ماجستير في السيناريو و لم يكتب سيناريو سينمائي واحد في حياته عُرِض على الشاشة السورية) أن يكتب رداً على مقالة للراحل نُشرت في صحيفة السفير مطلع الألفين، كانت تلك المقالة تحوي نقداً لطيفاً لمهرجان السينما، مما أثار استياء إدارة المؤسسة وحلّت بغضبها على الراحل، هنا لابد من القول أن عدد من الأشخاص، كتاب ونقاد وصحفيين، في فترة الثمانينات، كانوا من أشد المدافعين والمناصرين للسينما السورية، منهم الكاتب (حسن م يوسف) الذي كتب مقالات نقدية مهمة وكانت مزعجة أحياناً للأجهزة الإدارية، ومع ذلك لم توجه له أي كلمة مسيئة، سواء من إدارة المؤسسة أو جهات أخرى، بل كان دوماً عضواً في المكتب الصحفي لمهرجان دمشق السينمائي. إذاً نستطيع القول أن الإدارات ما قبل عام 2000 كانت إلى حدٍ ما أكثر رحابة صدر من الإدارات التي جاءت بعدها. وبالعودة إلى الراحل، أعتبر أن عدم ذكره من قبل وزارة الثقافة، تقصيراً كبيراً متعمداً تجاه قامة ثقافية وحضارية مهمة
يختتم السيد حنا حديثه قائلاً : عادةً عند الوفاة تموت كل الضغائن والأحقاد والكره، بحكم خروج الشخص المعني من الحياة، وللأسف لم نستطع في مجتمعنا التخلص من ذلك، وهذا شيء معيب، الخلاف طبيعي ويحق للجميع وضع المتوفي في الميزان، لا نطلب تمجيد الراحل، لكن نعيب عدم الوفاء لهُ، وأتحدث هنا من جانب مهني عن حالة عامة منتشرة في مجتمعنا في إهماله لعظمائه، ولكن كما يقال “الدنيا دوّارة” وحياتنا استثمار فما تقدمه ستلقاه، وللراحل صلاح دهني أثره الطيب الذي سيبقى دوماً
وبالحديث مع مدير التصوير السينمائي والمخرج منير جباوي يعود بذاكرته إلى بدايته الفنية، ويستذكر فضل الراحل ودعمه له، فيقول : أولا كان لهُ الفضل في إيفادي للدراسة وعندما عدنا كان المرشد والموجه لي وللكثيرين، وعلى أكتافه قامت صناعة السينما، كان إنساناً ودوداً يحترم أيّة فكرة تطرحها عليه، يصغي باهتمام ويناقش بكل احترام ويرشدك إلى الطريق الصحيح، أخاً للصغير و الكبير، وكان فعلاً عميد السينما السورية وله الفضل في إيفاد العديد من الكوادر الفنية والتي ما إن عادت حتى دربت الاختصاصات الفنية الأُخرى والتي تحتاجها صناعة الفيلم، كإعداد مساعدي التصوير و الإضاءة ومساعدي الإخراج وغيرها …  بفقده فقدت السينما ركناً مهماً في مجال السينما والقصة
ويحدثنا السيد منير عن تجربته مع الراحل ودعمه لهُ في بعثته الدراسية قائلاً : لم تكن المؤسسة عندما أُنشئت؛ فيها من الكوادر الفنية ولا حتى معدات مهمة، وبعودة الكوادر الفنية من الخارج، أول الكوادر الفنية التي ساهم الراحل بإرسالها كان الحظ للمصورين وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على بعد نظره، فَهُم الأساس الذي تقوم عليه صناعة الفن السينمائي وكذلك الصوت، وقد أرسلوا إلى مصر إبان الوحدة الدفعة الثانية والتي كنت أنا من عدادها، كان ذلك عام 1962، وشملت أيضا مخرجاً ومونتير سينمائي إلى النمسا وتوالت بعدها البعثات والتنوع إلى الاتحاد السوفياتي، كان مقرراً سفرنا الى مصر ولكن بحدوث الانفصال أرسلنا أولا إلى ألمانيا الغربية، وبعد أن تعلمنا اللغة تبين لنا أن الدراسة غير متوفره بألمانيا الغربية أنذاك، ثمّ اكتشفنا أن لدى النمسا معهد متخصص تابع لأكادمية الفنون والموسيقا، لم ننتظر موافقة الدولة، سافرنا إلى النمسا وأجرينا فحص القبول وعندما نجحنا؛ أخبرنا البعثات بذلك وهكذا درسنا بالنمسا، وكان الراحل من أثنى لنا على ذلك الانتقال، نعم إنه المؤسس الأول في إيجاد كادر متخصص، وهي اللبنة الأساسية في صناعة الفيلم السينمائي
وعن تلك المرحلة التأسيسية لفن السينما في سوريا، بصعوباتها وتزامنها مع أحداث ومتغيرات سياسية، يستذكر السيد منير الراحل وبعضاً من ملامح تلك المرحلة قائلاً : وجد الراحل أن هذا الإعداد للكوادر يحتاج إلى معدات فنية، وضمن الإمكانيات المتوفرة، فَولد معمل الطبع والإظهار عام 1970، إذ كُنّا سابقاً نحمض الأفلام باستديو بعلبك وأحياناً لدى معامل التوجيه المعنوي، ورغم الإمكانيات المتواضعة التي تخصصها الدولة أنذاك لجلب معدات، لكننا بحُبّنا صنعنا سينما، لم يكن لدينا مثلاً كرين أو شاريو، والكاميرا 35 مم لها صوت يشبه الجاروشة تسمعه على بعد عشرات الأمتار، لكن صنعنا سينما، أذكر أن أول كرين بدائي قُدِم لنا هدية من بعثة إيطالية عملت فيلم إعلامي في حلب، مقابل مساعدتهم في إنجاز جزئ من الفيلم، وعندما اشترينا معمل الإظهار، أذكر أن اللذين سيقومون على صناعة الفيلم في هذا المجال – ولا أقول الفنيين لأنهم تدربوا على هذه الآلات – ناموا جانب الآلات وهي تتركب ولم يكن هناك أي حافز مادي، لم يكن سوى الحب
ويروي لنا إحدى قصصه مع الراحل أثناء عملهم سويةً : أدرت معمل الطبع و الإظهار مدة 10 سنوات، منذ عام 1980 وحتى 1990، في تلك الفترة كانت آلات الإظهار صنعة (آري) الألمانية وكان لدى المعمل خبير سوري، هو من أوائل المخرجين، المرحوم جوزيف فهدة، و الأفلام من صناعة كوداك، غيرت كوداك النموذج، و بالتالي أصبحنا بحاجة إلى آلات جديدة و المؤسسة لا تملك القيمة لها، إذاً سيتوقف العمل، جلست مع هذا الإنسان وتدارسنا ماذا نفعل، هنا تظهر لك حب السينما، اقترحت عليه أن نعمل على أفلام (أورفو)، وهي صناعة ألمانيا الشرقية، ولا تضاهي كوداك، قال لي : الآلة مخصصة لكوداك، لكن دعني أفكر بالأمر، و بعد يومين سألني جلب 330م، فجلبتها لهُ، و بدون علم المؤسسة أجرينا التجارب وخرج بنتيجة مذهلة، أعلمنا وكيل (أورفو) الذي خبّر ألمانيا الشرقية فكان الجواب من ألمانيا بأن ذلك مستحيل، أرسلنا النتيجة، فَذُهلوا عندما شاهدوها، واستدعوني أنا والراحل، وجلسنا مع خبرائهم، المواد الكيماوية هي لفيلم كوداك وهو استطاع أن يطوعها لأورفو، لم يبدو في الجلسة الأولى إقرار بِمَّ توصل إليه الراحل، وعدنا في اليوم الثاني و أقرو بذلك، هذا الإنسان لم ينتظر مكافاة، بل أحب السينما
كان ذلك بعضُ من الضوء على من أسس وأضاء لنا شاشتنا السورية الكبيرة، وأرسى قواعد النقد تحليلاً و تشريحاً، وأرشف تاريخ سينمانا لتكون وثيقة باقية، وفي ذكرى رحيله الأولى، نقدم لهُ الحب، وبالحب تحيا السينما، ويولد أبطالها مرتين

Lascia un commento

Il tuo indirizzo email non sarà pubblicato.