28 ☯

تحت سماء دمشق … الوثيقة البصرية السينمائية الأقدم في سورية

خاص سينما فنون

 

مجلة أورنينا _ ندى السماوي

ضمن تجربة فريدة هيّأها لجمهور السّينما في دمشق فريق مشروع مدى الثّقافيّ ، عُرض أمس الفيلم الصّامت (تحت سماء دمشق) للمخرج الرّائد إسماعيل أنزور في المركز الثّقافي في أبو رمانة ، وهو الفيلم السّوري الثّاني بعد فيلم (المتّهم البريء) والفيلم الوحيد الكامل بدقائقهِ التّسع والخمسين دقيقة وذلك عقبَ تقديمٍ للصحفي والناقد نضال قوشحة تناول فيه بدايات السّينما بشكلٍ موجز موضحاً تأثير الإقبال على فيلم (المتهم البريء) في التحفيز على إنتاج فيلم جديد أكثر نضجا وبشروط فنيّة أفضل ، وسارداً خلاله كيف اتفق رشيد جلال مع عطا مكيّ وأديب خير والتاجر رفيق الكزبري على تأسيس شركة (هليوس فيلم) برأسمال وقدره أربعمئة ليرة عثمانيّة ذهبيّة تُدفع بالتّساوي بينهم ، واتفق رشيد جلال مع صديقه اسماعيل أنزور المُطلع على الإخراج السينمائي في النّمسا على إخراج فيلمهم دون قيد أو شرط , فتمّ الإتفاق على إخراج رواية (تحت سماء دمشق) التي كتب السّيناريو لها اسماعيل أنزور بنفسه واتفق مع المخرج التركي ارطغول محسن على أن يكون مساعده في الفيلم كما وتمّ الاتفاق مع المصور الايطالي جردانو واستحضروا جهازا للتصوير السينمائي يستوعب عشرين مترا من الفيلم من طراز (باته) الفرنسي وتعاقدت الشركة مع عدد من الممثلات الأجنبيات متلافين ما تعرض له فيلم (المتهم البريء) من عراقيل بعد استعانته بممثلة دمشقية مُسلمة ، كما وتمّ التّعاون مع مُمثلين عملوا دون أجر تشجيعاً منهم للمشروع فكانت النّساء هنّ اللواتي يتقاضين أجرا فقط في الفيلم الذي تمّ تصوير مشاهده في غوطة دمشق ومداخل المدينة والرّبوة ودمر وفي قصر الأمير سعيد الجزائري

ومع اقتراب عرض الفيلم بعد اكتمال تصويره وعملياته الفنية  فوجئ أصحاب شركة (هليوس فيلم) ببدء عرض فيلم أنشودة الفؤاد وهو فيلم ناطق تقوم ببطولته حسناوات عديدات فلم يستطع الفيلم الصّمود في وجه إغراءات الفيلم المصري المُنافس الذي نجح باستقطاب الجمهور السّوري، فحاول صنّاعه استعمال بعض القطع الموسيقية المسجلة  للاستعاضة عن الصّمت المُطبق في محاولة لمواكبة عناصر الفيلم المنافس بما هو متاح إلاّ أن السلطات الفرنسية أوقفت الفيلم وحجزته لعدم حصول أصحابه على حقوق نشر المُرفق الموسيقي مع فيلمهم ممّا أدى لتوقيف الفيلم لمدة شهرين فوّتت على الشّركة نسبة مهمّة من الأرباح فنتج عن الأمر خسارة الشّركاء لثلاثة أرباع التكلفة … فَشل الفيلم في تحقيق مرابحٍ تجاريّة سبّبا احباطا للمخرج أنزور ممّا دفعه للابتعاد عن السّينما متوجّها إلى الكليّة الحربية السورية وأثناء تواجده في الجيش أسّس أوّل استديو أنجزَ فيه عدد من الأفلام الوثائقيّة للجيش والاستديو لا يزال حتى اليوم يستخدم لنفس الأغراض الفنيّة

عُرض فيلم (تحت سماء دمشق) ضمن دقائقِ صمتٍ أطبَقَت على صالة المركز الثقافي بجمهوره النّوعيّ وتركت ظلّ ذاك الزّمن الذي صُور فيه الفيلم على جدران فضولنا الحثيث لإدراك حقيقة الحياة المجتمعية السورية آنذاك .. الحياة التي أصبحت ضمن هذا الفيلم وثيقة بصريّة تاريخيّة يُعَدُّ  ما جاء فيها عبارة عن ذكريات دمشقيّة تُشكل جزءاً من المخزون الذّهنيّ والوجدانيّ لصنّاع الفيلم اعتمدَت على الرّاسب العفويّ الذي رَصدَتهُ الصور بمجملها بعيدا عن التّدوينات التاريخية الموثّقة التي اعتدنا قراءتها خطيّاً. لقد أظهر الفيلم حالات جمال غير مألوفة تمّ تشويهها عبر الدّراما المُسمَّاة دراما البيئة، حالات غير مُتطابقة مع المعايير الحالية للفنّ السّينمائي لكنّه يُضاهيها بسحره الخاص المتوازي مع سحر ذلك الزّمن الذي أثبت فيه الأنزور (جَدُّنا السّينمائي) حرفيّته رغم الإمكانات البدائيّة التي توافرت له فلم يوفر جُهداً في تنويع كوادره ونقلها زمانيّاً ومكانيّاً مُستخرجاً كلّ ما يكمن  فيها من طاقات تعبيريّة مهولة وهذا ما كان  يشكليُشكّل حضوراً مُنافساً لما عاصرها من سينما عالمية صامتة في حينها 

Lascia un commento

Il tuo indirizzo email non sarà pubblicato. I campi obbligatori sono contrassegnati *