173 ☯

دعم سينما الشباب : الأفلام المُبشرة والمستحقة للجوائز

سينما ليالينا مهرجانات

 

قدموا أفلاماً لائقة؛ فَأنقذوا مهرجاناً لا يليق بِنا، كانوا الاستثناء؛ فَاستحقوا جوائزهم. ثلاثة أفلام أصحاء في البنية والشكل، مصنوعة بِمعرفة وشغف واحترام، هي النتاج العلمي السليم والمحقق لِشروط صناعة الأفلام، والمُبشر بِجدوى وفاعلية المشروع السينمائي دعم سينما الشباب

 

تمَّ عرضها الأول ضمن مسابقة أفلام دعم سينما الشباب في الدورة السادسة من مهرجان سينما الشباب والأفلام القصيرة (23 – 28 إبريل 2019) في دمشق، فَلاقت الاستحسان والرضا، واستحقت ما حصدته من جوائز

 

في فيلم «مئة ليرة» (جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وجائزة الجمهور) إخراج «أريج دوارة» بالشراكة مع «نور خير الأنام» عن سيناريو لهُ، يُعيدنا صناع الفيلم إلى العام 1998، عودة إلى مرحلة رسمت ملامح مجتمع كامل ضمن إسقاطات سياسية واجتماعية جريئة؛ وقف بِها الفيلم في مواجهة مباشرة أمام المنظومة العقائدية الحاكمة، كاشفاً نتائج ممارساتها، ومقدماً حقيقة ما أفرزته عسكرة الحياة المدنية من خلل أخلاقي. رغم انتماء الفيلم لِتلك المرحلة؛ إلّا أنّه متقدم بِمألات اليوم، طازج في فكرته التي تتعدد أوجها، ومتشعب في قضيته المستدامة في بلاد ظلمها الجهل وعُوقِبَ شعبها دونما جريمة

عن سيناريو مُحكَم تمت صناعة هذا الفيلم، فامتلك الأساس المتين، وعليه بنى مُخرجاه.أعادوا إحياء تلك المرحلة بِأمانة، مهتمين بِطبائعها وتفاصيلها التي لازالت عالقة في ذاكرة أجيال عدة، سينوغرافيا بسيطة ألمَّت بِانعكاسات اللون الخاكي على شخصيات المرحلة، دون أن تحدها ميزانية الانتاج. تنوع مدروس وموظف لحجم اللقطات وحركة الكاميرا استطاع تقديم الشخصيات وحالاتها بِوضوح وسلامة

يروي الفيلم حكاية طالب مدرسي يعاني تسلط مدرس مادة التربية العسكرية التي كانت مقررة ضمن مناهج تلك الحقبة، الأسلوب العسكري في التربية من قمع وعقوبات يؤثر سلباً في الطالب، فَتتخذ خياراته منحى سلوكي قائم على التحايل والانتهازية في تماشٍ مع ضرورات البقاء وسط واقع متردي تحكمه قوة استبدادية جهلت أو أعمت بصيرتها عن تبعات أسلوبها التربوي الخاطئ على المدى البعيد، كما لم ترحم الضعفاء أو من وقف على الحياد. مكاشفة مُتقنة ومشغولة بِحس فني عالي، حققت إيصال الفكرة بِسلاسة وتميزت بِمتعة التشويق، حققها الشريط عبر أحداث رحلة مدرسية أظهر بِها بطل الفيلم انعكاس التربية الخاطئة على تشكيل شخصيته المُتنامية وما تمّ تكريسه ضمنها من أفكار وطرائق عيش مرفوضة أخلاقياً، ولكن إيديولوجيا السُّلطات لا تعنى بالأخلاق، وهو ما تمت الإشارة له في ذروة الفيلم؛ بِعدم معاقبة المدرس للطالب على تصرفه رغم قدرته وامتلاكه الصلاحية لذلك، فَاستمرار ردف السُّلطة بِأجيال معتنقة لأسلوبها يضمن استمرار الحكم، أما من انضوى تحت جناحها جهلاً أو ضعفاً عليه القبول والتسليم صمتاً، ومن وقف محايداً لن يهنأ بِهدوء، بل سيبقى مناوراً في مكانه حاملاً شقاءه. وهكذا تتعاقب السنون على بلاد تتعاظم أثقالها، بين عقلية رجعية لا تزال تستميت للحكم وفق عقيدتها، وأجيالٍ تتدنى أخلاقها ويُصيبها الفتور يوماً بعد يوم.

قدمت الممثلة والمخرجة «رباب مرهج» باكورة أعمالها السينمائية بالفيلم القصير «الوجه الأول … أمّي» (الجائزة الذهبية)، سجّلت مسار اليوم الاعتيادي والمكرر لِأم تعمل وتكافح لضمان حياة كريمة لأولادها، متحاملة وصابرة على قهر ومشقات الحياة ونكران الأبناء. ذهبت المخرجة في رؤيتها نحو مجازفة إخراجية صعبت المهمة عليها، غيّبت وجوه الشخصيات واكتفت بِتصوير حركة أجسادها وتفاعلاتها مع المحيط، وهو من أصعب الحلول الإخراجية التي قد يلجأ لها المخرج لتقديم رؤيته، لكنها كسبت الرهان وأعطت الإحساس بِما وصلت لهُ الأم بعد سنوات من العمل بِرتابة وروتين، وتحولها لآلة للعمل في سبيل أبنائها، كما حققت تلك الرؤية إسقاطاً للحالة المطروحة عن الأم السورية عامةً ورمزية لِوطن يستهلكه أبناؤه وينكروه
وقعت المخرجة في فخ شريط الصوت بعد اشتغال جاد ومرهف على الصورة البصرية، الأصوات الطبيعية للشخصيات والتسجيل الصوتي المُقدم بِصوت المخرجة؛ كان من الممكن الاستغناء عنها دون أن يؤثر على مستوى الفيلم فالصورة كافية للإفصاح بمكنونات الفكرة، تلك الجمالية المرتجاة جزء من رؤية المخرجة وهو حقها المشروع، لكنها خلقت نوعاً من التشتت بين عنصري الرؤية والاستماع في تكامل الصورة السينمائية

مغامرة خطرة خاضتها المخرجة في نوعية الفيلم وأسلوبية تنفيذه، امتلاك الحس الجمالي العالي مَكَّن المخرجة من كسر القواعد بِسلامة وتقديم شريط رفيع المستوى، حقق غايته الفكرية واستولى بِتأثيره الوجداني على عاطفة واهتمام المتلقي. شريط مثير للجدل ومُحير في تصنيفه، لا ينتمي إلى فئة الوثائقيات المشروطة بِتقديم مواد توثيقية وفق السرد الكلاسيكي، ولا يمكن تصنيفه فيلم ديكودراما لِغياب السيناريو المحدد والأداء التمثيلي الاحترافي، إنّه فيلم “تسجيلي” تمَّ تنفيذه وتوليفه فنياً وتقنياً وفق مدارس روائية، لامس تلك المدارس دون أن يتقيد بقواعدها، فَحقق جودة الواقعية بِشكل حداثوي.وهي ميزة للأفلام الوثائقية والتسجيلية بدأت بالتطور والتعميم عالمياً في الفترة الأخيرة، حيث نشهد محاولات لِصناعة رواية سينمائية بِمواد تسجيلية يتم تركيبها وإغناؤها بالعمليات الفنية، فَلم تعد الوثائقيات التقريرية قادرة على الصمود أمام الانقسامات الذوقية للمُشاهد، وبشكل خاص السياسية منها، مما جعل السينمائيين عامةً يتجهون في أفلامهم نحو خيارات وحلول فنية تستقطب انجذاب واهتمام الجمهور

لامس الفيلم التسجيلي الموجة الفرنسية الجديدة (نيو ويڤ) في إزاحته للحبكة الكلاسيكية لِصالح واقع متشظي، وفي اهتمامه بالشّكل (القَطع، القفز في المونتاج، الاستفادة من حركات الكاميرا) . كما لامس الواقعية الإيطالية الجديدة (ريياليزم) اعتماده المكان الخارجي مجالاً حيويّاً للشخصية، ومحافظته على ميزة الخارج في الكشف والتعرية ضمن المشاهد الداخلية، كما اعتماده في البطولة على أشخاص من الواقع (ممثلين غير محترفين) استخدام أسلوبي المونتاج للمدرستين في فيلم تسجيلي أمر خطر وحساس ويكاد يكون شبه مستحيل، وهنا لابدّ من الإشادة بجرأة المخرجة وبإمكانات فنية عالية للمونتير وائل طه

وفي الروائي القصير «الحرامي» (الجائزة البرونزية) للمخرج «فراس محمد» عن سيناريو كتبه «نور الدين نجار» يبدو المخرج المتميز بِصورته السينمائية باحثاً عن مساحات جديدة لهُ بعد عدة أفلام شكلت بصمته الخاصة في تعاطيه مع المكاشفات النفسية والوجدانية للشخصيات الإنسانية، وصناعة أفلام تعالج تلك المكاشفات اعتماداً على لغة الصورة
في هذا الفيلم يتخلى المخرج عن عادته بِكتابة نصوص أفلامه، ويجرب إمكاناته في الإخراج عن سيناريو ينتمي لِنوع جديد عليه يقوم على السرد الحكائي. فَجاء الفيلم مختلفاً، وإن لم يرتقي لِمستوى أفلامه السابقة؛ إلّا أنّه مشغول إخراجياً بِحس ونضج سينمائي طغى على الشريط وملأ فراغاته


يروي الفيلم معاناة فتاة في عراك نفسي بين واجبها تجاه والدها المريض من جهة، وأحلامها وطموحها من جهة، العراك المحسوم لِصالح الواجب؛ يأخذ شكل الحرب الباردة في انتظار تغير الحال، ويمر الوقت ويُسرَق العمر في عبث فرضته الأقدار

لجأ كاتب السيناريو إلى إسقاط الحالة ضمن قالب روائي يصلح للفيلم القصير، عن سرقة تحدث في منزل الشخصيات، في محاولة لِترميز نتائج الفعل اللامبالي على الآخر، لكن هذا القالب جاءَ هشاً باعتماده السردي على الصدفة، لاسيما أنّها اُعتمِدَت لِخلق حركة الأحداث في ذروة الفيلم، والتي أيضاً؛ ظهرت بها عدة شخصيات جاءت فائضة عن الحاجة 

أما على صعيد الإخراج؛ نجد طوال الفيلم توالفاً بين الصورة والتفاعلات، السير بِتوازي دقيق يمهد ويبني في المقدمة، ويوارب في العرض مُكتسباً ترقب المُتلقي. اشتغال فني وتقني على تصميم الصورة السينمائية وتكوين المشاهد وفق قواعد احترافية، جعل التماهي مع الشخصيات سلساً ومحققاً للشريط إيقاعاً مضبوطاً
هوكما أفلامه السابقة؛ يُتقن المخرج تعامله مع عنصر الزمن في السينما، توظيف دقيق يجعل المتلقي شريكاً في المُحتوى، ويُحافظ على تعلقه مهما طالت مدة اللقطة